بداية اصلاح المجتمعات
بقلم الدكتور رضا عبد الغنى
من سلسلة القران يعلمنا
مقدمة:
عندما تذهب إلي طبيب ماهر ثقة تشتكي من مرض ما فيكتب لك علاج واحد فقط وينصحك أن في هذا العلاج شفاءك ثم يذهب مريض آخر إلي طبيب آخر ماهر وأمين بمشكلة صحية أخري فيصف له نفس العلاج ويذهب ثالث ورابع وخامس فيكون العلاج هو نفسه مع اختلاف الأعراض والشكاوي فلابد أن هناك سراً ما وأمراً ينبغى التوقف عنده ودراسته في هذا العلاج الذي يصلح لكل الأمراض علي اختلافها هذا العلاج ذو الأهمية العظيمة له تأثير عجيب في ضبط حالة الجسم وإعادة الاتزان لها
التوحيد دعوة الرسل:
ولله المثل الأعلي فمن الأمور التي ينبغي أن نتوقف عندها التركيز الشديد والمستمر والمتكرر في سور القرآن علي أمر التوحيد والذي لا تكاد تخلو سورة من سوره منه
ولا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أرسلهم الله عز وجل إلي أقوام ومجتمعات ظهرت فيهم أمراض وانحرافات عقدية وفكرية أو اجتماعية أو أخلاقية أو اقتصادية
فكانت دعوة الرسل والأنبياء لهم جميعاً أول ما يكون هو توجيههم إلي توحيد الله عز وجل قال ربنا سبحانه وتعالى :((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ))
قولوا لا اله الا الله تفلحوا:
ولك أن تراجع أول دعوة الأنبياء لأقوامهم فتجد أول ما يبدأون به دعوتهم ((اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره)) وعلي نفس النهج كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أتي إلي مجتمع انتشرت فيه كل أنواع الفساد من عبادة الأصنام والشرك بالله والفساد الأخلاقي فكان للزنا أماكن معروفة وأصحاب رايات حمر وفساد اقتصادي فانتشر التعامل بالربا وأكل مال اليتيم والضعيف والفساد الاجتماعي فكان اضطهاد الإناث والحزن بإنجابهن ووأدهن وانتشار الفخر الطبقي والظلم الاجتماعي
وإن المهتم بأمر إصلاح المجتمعات لو فكر كيف يغير مجتمعاً بكل هذه الأمراض الفتاكة لألف كتباً ووضع نظريات وخططاً قد تستغرق عمراً كاملاً في كتابتها وتأليفها فضلاً عن تنفيذها وتطبيقها في أرض الواقع
والعجيب أن أول ما واجه به النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأمراض كانت الدعوة إلي أمر واحد فقط صدح به في كل مكان ( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )
فقط هذا ؟؟؟
التوحيد اصل الخير:
إن الأمر أشبه بعلاج واحد للأصل الذي إن صلح واستقام استقامت تبعاً له سائر الفروع
إنك حين تريد أن تضبط مسار قطار خرج عن مساره الصحيح فإنك لو حاولت أن تضع عربة عربة في مسارها لتكلفت وقتاً ومشقة وجهداً عظيماً أما إن وضعت أول العربات علي الطريق الصحيح فلابد أن تستقيم سائر العربات تبعاً لها
والعجب أن هذا المجتمع بتلك الأمراض السابقة قد تحول في سنوات معدودة إلي أنظف وأرقي وأكمل مجتمع عرفه التاريخ بعد أن فهم أمر التوحيد فعبدوا الله وحده وتركوا باقي المعبودات واختفي الزنا والفساد الأخلاقي وانضبطت المعاملات الاقتصادية وفق نظام محكم عادل دقيق واعتدل النظام الاجتماعي فصار للمرأة مكانة وقدرا عظيماً وصار للعبيد والخدم حقوقا وصارت القاعدة ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) وليس أغناكم وانتشرت الأخلاق الطيبة والأمان الاجتماعي والقوة العسكرية
وإن من يحمل هم إصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته لابد أن يعود إلي نفس الأصل من جديد فمع انتشار أنواع الفساد الآن من ركون إلي الدنيا ونسيان للآخرة وانتشار الفساد الأخلاقي والاجتماعي والفكري فإن الإنسان ليتعب حين يفند شبهة شبهة ويحارب فتنة فتنة ويتصدي لكل شرٍ بشكل منفصل وينسي أن هناك علاجا واحدا لو انضبط في قلب الإنسان لاستقامت علي أثره سائر الأمور المعوجة أن يوقن الإنسان ويعتقد اعتقادا جازما أنه عبدٌ لإلهٍ واحد لا إله غيره يأمره فيسمع ويطيع يعتقد أنه الرزاق وحده فلا يذل نفسه لعبدٍ فقير مثله ولا يبتغي الرزق في معصيته يعتقد أنه يسمعه ويراه ويعلم ما في نفسه فيخاف أن يراه علي أي وضع يكرهه يعلم أنه لا يحب الظلم والظالمين فلا يظلم أحدا ولا يحتقر أحداً يعلم أنه سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح عباده فلا يرضي بمناهج فكرية بشرية بديلا عن شرعه سبحانه وتعالى
وهكذا إذا أردنا وضع أرجلنا علي أول الطريق الصحيح للإصلاح فعلينا أن نبدأ بما بدأ به أنبياء الله عز وجل عبادة الله وحده بمفهومها الشامل الجامع لكل نواحي الحياة وليست القاصرة علي شعائر تعبدية وفقط
((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ))

No comments: